محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : فرح الذين خلفهم الله عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به وجهاد أعدائه بمقعدهم خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ يقول : بجلوسهم في منازلهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر إلى جهاد أعداء الله ، فخالفوا أمره وجلسوا في منازلهم . وقوله : خِلافَ مصدر من قول القائل : خالف فلان فلانا فهو يخالفه خلافا فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال ، كما يقال : قاتله فهو يقاتله قتالا ، ولو كان مصدرا من خلفه ، لكانت القراءة : " بمقعدهم خلف رسول الله " ، لأن مصدر خلفه خلف ، لا خلاف ، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف ، فقرئ : خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار ، وهي الصواب عندنا . وقد تأول بعضهم ذلك ، بمعنى : بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر : عقب الربيع خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا وذلك قريب لمعنى ما قلنا ، لأنهم قعدوا بعده على الخلاف له . وقوله : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وكره هؤلاء المخلفون أن يغزوا الكفار بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ؛ يعني : في دين الله الذي شرعه لعباده لينصروه ، ميلا إلى الدعة والخفض ، وإيثارا للراحة على التعب والمشقة ، وشحا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله . وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة ، وهي غزوة تبوك في حر شديد ، فقال المنافقون بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد نار جهنم التي أعدها الله لمن خالف أمره وعصى رسوله ، أشد حرا من هذا الحر الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه . يقول : الذي هو أشد حرا أحرى أن يحذر ويتقى من الذي هو أقلهما أذى . لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ يقول : لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن الله وعظه ويتدبرون آي كتابه ، ولكنهم لا يفقهون عن الله ، فهم يحذرون من الحر أقله مكروها وأخفه أذى ، ويوافقون أشده مكروها وأعظمه على من يصلاه بلاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله : يَفْقَهُونَ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه ، وذلك في الصيف ، فقال رجال : يا رسول الله ، الحر شديد ولا نستطيع الخروج ، فلا تنفر في الحر فقال الله : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فأمره الله بالخروج . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ قال : من غزوة تبوك . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي وغيره ، قالوا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد إلى تبوك ، فقال رجل من بني سلمة : لا تنفروا في الحر فأنزل الله : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر قول بعضهم لبعض ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، وأجمع السير إلى تبوك على شدة الحر وجدب البلاد ، يقول الله جل ثناؤه : وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول تعالى ذكره : فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولهوهم عن طاعة ربهم ، فإنهم سيبكون طويلا في جهنم مكان ضحكهم القليل